أحمد بن محمد القسطلاني

277

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والدابة ، والدجال ، والدخان ، وغير ذلك . . . . وأجيب : باحتمال أن يكون هذا قبل أن يعلمه الله تعالى بهذه العلامات ، فهو يتوقع الساعة كل لحظة . وعورض : بأن قصة الكسوف متأخرة جدًّا ، فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في العاشرة ، كما اتفق عليه أهل الأخبار ، وقد أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك . وقيل هو من باب التمثيل من الراوي ، كأنه قال : فزغًا كالخاشي أن تكون القيامة وإلا فهو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عالم بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم أو أن الراوي ظن أن الخشية لذلك لقرينة قامت عنده ، لكن لا يلزم من ظنه أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خشي ذلك حقيقة ، قال في المظهر : لم يعلم أبو موسى ما في قلبه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . اه - . وأجيب : بأن تحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف . وقيل إنه ، عليه الصلاة والسلام ، جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف ، وتنبيهًا لأمته أنه إذا وقع لهم ذلك كيف يخشون ويفزعون إلى ذكر الله ، والصلاة ، والصدقة ليدفع عنهم البلايا . ( فأتى المسجد ، فصلّى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله ) بدون كلمة : ما ، وقط ، بفتح القاف وضم الطاء ، لكن لا يقع ، قط ، إلا بعد الماضي المنفي ، فحرف النفي هنا مقدر كقوله تعالى : { تَفْتَؤ تَذْكُرُ يُوسُفَ } [ يوسف : 85 ] أي : لا تفتؤ ، ولا تزال تذكره تفجعًا ، فحذف : لا ، أو أن لفظ أطول ، فيه معنى عدم المساواة ، أي : بما لم يساو قط قيامًا رأيته يفعله ، أو : قط ، بمعنى حسب أي : صلّى في ذلك اليوم فحسب بأطول قيام رأيته يفعله ، وتكون بمعنى : أبدًا لكن إذا كانت بمعنى : حسب ، تكون القاف مفتوحة والطاء ساكنة . قال في المصابيح : وموضع : رأيته ، جر على الصفة ، أما للمعطوف الأخير ، وهو : سجود ، وإما للمعطوف عليه أولاً ، وهو قيام . وحذف رأيته من الأول الذي هو القيام لدلالة الثاني ، أو بالعكس ، قال : وإنما قلنا ذلك لأنه ليس في هذه الجملة ضمير غيبة إلا ما هو للواحد الذكر . وقد تقدمت ثلاثة أشياء ، فلا تصلح من حيث هي ثلاثة أن تكون معادًا له . وضمير الغيبة في : رأيته ، يحتمل عوده على النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كما أن فاعل : يفعله ، يعود الضمير عليه ، ويحتمل أن يعود على ما عاد عليه المنصوب من : يفعله . فإن قلت لِمَ لم تجعل الجملة صفة لأطول قيام وركوع وسجود ، وأطول مفرد مذكر يصح عود الضمير المذكر عليه ، ولا حاجة إلى الحذف ؟ إذن قلت : لأنه يلزم أن يكون المعنى : أنه فعل في قيام الصلاة لكسوف الشمس وركوعها وسجودها مثل أطول شيء كان يفعله في ذلك في غيرها من الصلوات ، ولم يفعل طولاً زائدًا على ما عهد منه في سواها ، وليس كذلك ، اللهم إلا أن يكون صلّى قبل هذه المرة لكسوف آخر ، فيصدق حينئذ أنه فعل مثل أطول شيء كان يفعله لكنه يحتاج إلى ثبت فحرره . اه - . قلت : في أوائل الثقات لابن حبان : إن الشمس كسفت في السنة السادسة ، فصلّى عليه الصلاة والسلام صلاة الكسوف ، وقال : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله . . . " الحديث . ثم كسفت في السنة العاشرة ، يوم مات ابنه إبراهيم ، ( وقال ) عليه الصلاة والسلام : ( هذه الآيات ) أي : كسوف النيرين ، والزلزلة ، وهبوب الريح الشديدة ( التي يرسل الله ، لا تكون لموت أحد ولا لحياته ، ولكن يخوف الله به ) أي : بالكسوف ، وللأربعة : بهما ، أي : بالكسفة أو الآيات ( عباده ) قال الله تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } [ الإسراء : 59 ] ( فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ) بفتح زاي : افزعوا ، وللحموي والمستملي : إلى ذكر الله . وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى ( ودعائه واستغفاره ) . 15 - باب الدُّعَاءِ فِي الْخُسُوفِ قَالَهُ أَبُو مُوسَى وَعَائِشَةُ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( باب الدعاء في الخسوف ) كذا بالخاء ، وعزاه الحافظ ابن حجر لكريمة وأبي الوقت ، وفي الفرع وأصله عن أبي ذر والأصيلي في الكسوف وبالكاف . ( قاله ) أي الدعاء فيه ( أبو موسى ) الأشعري ، في حديثه السابق قريبًا ( وعائشة ) في حديثها الآتي ، إن شاء الله تعالى في الباب الآتي ( رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . 1060 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلاَقَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ : " انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ، فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ » . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو الوليد ) هشام بن عبد الملك الطيالسي ( قال : حدّثنا زائدة ) بن قدامة الثقفي الكوفي . ( قال : حدّثنا زياد بن علاقة ) بكسر العين وبالقاف ، الثعلبي ، بالمثلثة ثم المهملة ، الكوفي . وللأصيلي : عن